دخلت هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة قطاع الرعاية الصحية للمرة الأولى بصورة معلنة، مع إطلاق شركة «تحالف مستقبل مصر الطبي»، التي تستهدف تقديم خدمات علاجية متخصصة، والتدريب والبحث العلمي، والحلول الرقمية والتكنولوجية في الرعاية الصحية، إلى جانب خدمات السياحة العلاجية، بحسب تقرير أعدته رنا ممدوح.
ونشرت «مدى مصر» تقريرًا في 21 سبتمبر 2026 تناول دخول الهيئة إلى قطاع الرعاية الصحية، وخطط الشركة الجديدة لضم مستشفيات تابعة للقوات المسلحة ووزارة الصحة إلى مظلتها، واستهداف المرضى الأجانب والسائحين القادمين إلى مصر، خصوصًا أولئك الذين تتحمل شركات التأمين الدولية تكاليف علاجهم بالدولار.
وأعلنت الهيئة الأسبوع الماضي إطلاق «تحالف مستقبل مصر الطبي»، وفقًا لتقارير تناولت مشاركتها في معرض ومؤتمر «إيجي هيلث» هذا العام.
ويرأس الشركة اللواء خالد عويدة، الطبيب والمدير السابق لمستشفى القوات الجوية التخصصي، وتعتزم تقديم خدمات طبية متخصصة، إلى جانب التدريب والبحث، والحلول الرقمية والتكنولوجية، وخدمات السياحة العلاجية.
وفي المرحلة الأولى من نشاطها، ستضم الشركة المركز الطبي العالمي ومستشفى القوات الجوية التخصصي، وكلاهما يتبع القوات المسلحة. ويقدم المستشفيان خدماتهما للعسكريين من خلال منظومة التأمين الصحي للقوات المسلحة، كما يستقبلان المدنيين مقابل رسوم أو بموجب تعاقدات مع منظومة التأمين الصحي الشامل أو جهات أخرى.
وتعتزم الشركة التوسع تدريجيًا عبر ضم منشآت ومستشفيات إضافية إلى مظلتها.
«تحالف مستقبل مصر الطبي» يستهدف سوق السياحة العلاجية
أعلنت «مستقبل مصر» مشاركة الشركة في معرض «إيجي هيلث»، الذي انعقد خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر، بهدف عرض مكونات منظومتها الطبية المتكاملة والتخصصات والخدمات والحلول المتقدمة التي تقدمها.
وركزت التغطية الإعلامية للمعرض على رؤية «تحالف مستقبل مصر الطبي» لتطوير السياحة العلاجية، من خلال رسم مسار متكامل للمريض الدولي يبدأ بالاستشارات الطبية وتقييم الحالة قبل السفر، ثم السفر والاستقبال والإقامة والترجمة، وصولًا إلى متابعة المريض بعد انتهاء العلاج.
وتعتزم الشركة تحقيق ذلك عبر إنشاء شبكة من الشركاء الطبيين ومشغلي خدمات السياحة، وفتح قنوات تعاون مع الجهات العاملة في مجال السياحة العلاجية والأسواق المستهدفة.
وتعود مساعي الدولة لوضع رؤية واضحة للسياحة العلاجية إلى عام 2017 على الأقل، عندما أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرارًا بتشكيل اللجنة العليا للسياحة العلاجية برئاسة وزير الصحة. وحدد القرار عددًا من الأهداف، بينها تنفيذ محاور السياحة العلاجية ضمن رؤية مصر 2030، واستعادة ثقة المرضى الأجانب، وجذب الاستثمارات العربية والأجنبية لإنشاء مشروعات تخدم السياحة العلاجية، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص.
وخلال اجتماع للجنة في ديسمبر 2024، قال وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار إن الأمانة الفنية للجنة بدأت إعداد استراتيجية وطنية موحدة للسياحة العلاجية.
وذكر بيان لمجلس الوزراء أن اللجنة تواصلت مع جميع الجهات المعنية بالسياحة العلاجية في مصر للحصول على مقترحاتها بشأن الاستراتيجية.
وفي الاجتماع نفسه، قال مدبولي إن الحكومة اتفقت على إنشاء مجلس وطني للسياحة العلاجية، مع تكليف أمانة فنية بمتابعة جميع الملفات المتعلقة بهذا القطاع.
وأصدر رئيس الوزراء قرارًا بإنشاء المجلس في يونيو 2025. وخلال اجتماعه الأول، الذي ترأسه وزير الصحة، ناقش المجلس مقترحًا يحدد معايير انضمام مقدمي الخدمات إلى المنصة الوطنية للسياحة العلاجية، وشملت الجهات المعنية مقدمي خدمات الرعاية الصحية والفنادق والضيافة والنقل والخدمات اللوجستية.
وقال مسؤول كبير بوزارة الصحة لـ«مدى مصر»، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن «تحالف مستقبل مصر الطبي» يركز بصورة أساسية على تقديم العلاج للسائحين، موضحًا أن الشركة تستهدف مواطني دول الخليج والسائحين الأجانب الموجودين في مصر، ممن تسدد شركات التأمين الدولية تكاليف علاجهم بالدولار.
وضرب المسؤول مثالًا على ذلك بإجراء جراحة قلب مفتوح لمريض مصري مؤمن عليه مقابل 200 ألف جنيه، في حين يمكن أن تجري مستشفيات «مستقبل مصر» العملية نفسها لسائح أجنبي يقيم مثلًا في شرم الشيخ، وتدفع شركة التأمين الخاصة به 10 آلاف دولار، بما يسمح للشركة بالاستفادة من فارق سعر الصرف.
وأوضح المسؤول أن من أبرز معايير اختيار المستشفيات التي ستنضم إلى «مستقبل مصر» امتلاك مهبط طائرات مجهز لاستقبال الحالات الطارئة، إلى جانب وجود منشآت قادرة على إجراء الجراحات الكبرى وتقديم الرعاية الطبية في التخصصات الدقيقة.
ووصف المسؤول الشركة الجديدة بأنها نواة لكيان يمكنه منافسة مجموعات الرعاية الصحية الكبرى، مثل مجموعة مستشفيات كليوباترا، أكبر شبكة مستشفيات خاصة في مصر.
وبخلاف المركز الطبي العالمي ومستشفى القوات الجوية التخصصي، يتوقع المسؤول انضمام مستشفيات أخرى تابعة للقوات المسلحة إلى الشركة، بينها المجمع الطبي للقوات المسلحة بالمعادي.
كما يتوقع ضم عدد من مستشفيات وزارة الصحة، تحديدًا المنشآت التابعة لأمانة المراكز الطبية المتخصصة، وهي منشآت تقدم خدماتها العلاجية مقابل رسوم. وتشمل القائمة مستشفى الأقصر الدولي ومستشفى أبو سمبل الدولي في أسوان.
وقال المسؤول إن مستشفى شرم الشيخ الدولي الخاص سينضم أيضًا إلى الشركة. وكانت هيئة الرعاية الصحية قد ضمت المستشفى إلى شبكتها، ويقدم إلى جانب خدمات الرعاية الخاصة خدمات للمستفيدين من منظومة التأمين الصحي الشامل، التي توسعت في عدد من المحافظات، بينها جنوب سيناء.
إعادة هيكلة المستشفيات وتحويلها إلى مشروعات ربحية
قال المسؤول إن شركة «تحالف مستقبل مصر الطبي» ستتولى إدارة المنشآت الطبية التي ستنضم إليها، إلى جانب إعادة هيكلتها ماليًا وإداريًا، وفق نموذج قريب من تجربة معهد «غوستاف روسي» الفرنسي في مستشفى دار السلام للأورام «هرمل»، الذي أعيدت تسميته «غوستاف روسي إنترناشيونال إيجيبت».
وقسمت تجربة المستشفى الفرنسي الطاقة الاستيعابية بين خدمات طبية مدفوعة وهادفة إلى تحقيق الربح للمرضى القادرين على تحمل تكاليف العلاج، وبين استمرار علاج مرضى السرطان من محدودي الدخل عبر التأمين الصحي والرعاية الممولة من الدولة، وإن كان على نطاق أصغر من السابق.
لكن المسؤول قال إن تجربة «غوستاف روسي» في مستشفى هرمل نجحت لأن وزارة الصحة منحت المركز الفرنسي مساحة واسعة لإعادة هيكلة العمالة، ما سمح له بالإبقاء على ربع العاملين الحاليين فقط.
وبحسب المسؤول، تعاني مستشفيات عديدة تديرها جهات حكومية مشكلات إدارية واختلالات في توزيع العمالة، بينها عدم توافق أعداد الموظفين مع التخصصات المطلوبة.
ولهذا السبب، ستُسند أكبر المستشفيات وأكثرها تجهيزًا إلى «مستقبل مصر»، بما يمنح الشركة صلاحيات كاملة لإعادة هيكلة العمالة، وتعيين المتخصصين الذين تحتاج إليهم، وإدارة المستشفيات بطريقة تضمن تحقيق الربحية.
وكان القانون الذي أقر عام 2024 قد سمح للمستثمرين الأجانب والمصريين من القطاع الخاص بإدارة وتشغيل المنشآت أو الوحدات الصحية العامة القائمة لمدة تصل إلى 15 عامًا، أو إنشاء منشآت جديدة وتشغيلها للمدة نفسها.
ووقعت وزارة الصحة في العام السابق مذكرات تفاهم مع شركة «إليفيت كابيتال»، المتخصصة في إدارة المستشفيات، والممثل القانوني لمعهد «غوستاف روسي»، لتطوير مستشفى هرمل وتحويله إلى فرع للمركز الفرنسي في مصر.
وشملت الاتفاقات أيضًا إنشاء وإدارة وتشغيل مستشفيات ومراكز طبية متخصصة أخرى، من دون أن يحدد بيان الحكومة آنذاك طبيعتها أو مواقعها.
ولم يعلن مجلس الوزراء أو وزارتا الصحة والدفاع قرارًا بنقل مستشفى القوات الجوية التخصصي والمركز الطبي العالمي إلى «تحالف مستقبل مصر الطبي». كما لم توضح الجهات الرسمية ما إذا كان النقل سيجري بموجب قانون 2024 المنظم لإدارة وتشغيل المستشفيات العامة، أم بموجب القانون الذي ينظم عمل هيئة مستقبل مصر والصادر هذا العام.
وكشفت مشاركة الشركة في معرض «إيجي هيلث» عن وجودها علنًا للمرة الأولى، بحضور وزير الصحة. لكن حتى تاريخ نشر التقرير، لم تنشر الجريدة الرسمية أي قرارات رئاسية بشأن تخصيص المستشفيات أو نقل ملكيتها أو منح هيئة مستقبل مصر حقوق إدارتها.
وينص القانون المنظم لعمل الهيئة على إمكانية نقل ملكية الأموال والأصول المملوكة للدولة، أو الأسهم والحصص في الشركات المملوكة للدولة، أو تبعية الشركات المملوكة للدولة بالكامل إلى الهيئة أو صندوقها الخدمي، بقرار من رئيس الجمهورية.
وتستمر حالة الغموض نفسها التي أحاطت بالهيئة منذ تأسيسها بقرار رئاسي عام 2022، والذي لم تنشره الجريدة الرسمية حتى الآن. وأنشأ القرار الهيئة باعتبارها كيانًا اقتصاديًا تابعًا للقوات الجوية بوزارة الدفاع.
وتوالت بعد ذلك القرارات الرئاسية والحكومية التي خصصت مساحات واسعة من أراضي الدولة للهيئة ومنحتها اختصاصات في قطاعات متعددة، بينها الزراعة والإمدادات الغذائية والسياحة والتعدين والتطوير العقاري وغيرها.
وظلت الوضعية القانونية للهيئة، وهيكلها الإداري، وآليات اتخاذ القرار داخلها، وسبل الرقابة على استثماراتها وإدارة أصولها، إلى جانب القواعد المنظمة لشؤونها المالية وغيرها من جوانب عملها، غير معلنة طوال تلك الفترة.
السياحة العلاجية كمصدر جديد للدولار
يعكس دخول «مستقبل مصر» قطاع الرعاية الصحية توجهًا متزايدًا نحو توظيف المنشآت الطبية في جذب المرضى الأجانب وتحقيق إيرادات بالعملة الأجنبية، خصوصًا الدولار.
ويستند نموذج الشركة الجديدة إلى الاستفادة من الفارق الكبير بين تكلفة الخدمات الطبية داخل مصر وأسعارها التي تدفعها شركات التأمين الدولية للمرضى الأجانب، إلى جانب دمج العلاج والإقامة والنقل والاستقبال والترجمة والمتابعة في منظومة واحدة للسائح العلاجي.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الحكومة على تطوير السياحة العلاجية باعتبارها أحد مصادر جذب الاستثمارات والعملات الأجنبية، بالتوازي مع توسعها في إعادة هيكلة وإدارة أصول القطاع العام.
لكن غياب القرارات الرسمية المنشورة بشأن نقل ملكية المستشفيات أو إدارتها إلى هيئة مستقبل مصر يترك تفاصيل مهمة حول طبيعة العملية، والأساس القانوني لها، وحدود صلاحيات الشركة الجديدة، معلقة إلى حين صدور قرارات رسمية توضح الإطار الذي ستعمل من خلاله.
https://www.madamasr.com/en/2026/09/21/feature/politics/future-of-egypt-enters-healthcare-govt-military-hospitals-to-serve-tourist-dollars/

